سليمان بن موسى الكلاعي
85
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
بلغني قسم الملك ، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضى ليضعه تحت قدميه ، فيبر قسمه في . فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه ، وكتب إليه : أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى « 1 » . فأقام بها ، ثم إن أبرهة بنى القليس « 2 » بصنعاء ، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الأرض ، ثم كتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب . فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بنى فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ، فخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها ، ثم لحق بأرضه ، فأخبر بذلك أبرهة ؛ فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة ، لما سمع قولك : « أصرف إليها حج العرب » غضب فجاء فقعد فيها ، أي أنها ليست لذلك بأهل « 3 » . فغضب عند ذلك أبرهة ، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه . ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ، ثم ساروا وخرج معه بالفيل . وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به ، ورأوا جهاده حقا عليهم ، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام . فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله ، وما يريد من هدمه وإخرابه . فأجابه من أجابه إلى ذلك ، ثم عرض له فقاتله ، فهزم ذو نفر وأصحابه ، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا ، فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني ، فإنه عسى أن يكون بقائى معك خيرا لك من قتلى . وكان أبرهة رجلا حليما ، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق .
--> ( 1 ) انظر : السيرة ( 1 / 53 - 54 ) . ( 2 ) القليس : هي الكنيسة التي بناها أبرهة على باب صنعاء ، وسميت القليس لارتفاع بنيانها وعلوه . ( 3 ) انظر : السيرة ( 1 / 56 ) .